الذهبي
194
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
فأخذ النّجاشيّ عودا ثم قال : ما عدا عيسى ما قلت هذا العود ، فتناخرت بطارقته حوله فقال : وإن نخرتم ، واللَّه ، اذهبوا فأنتم سيوم [ ( 1 ) ] بأرضي - والسّيوم : الآمنون - من سبّكم غرم ، ما أحبّ أن لي دبرا [ ( 2 ) ] من ذهب ، وأنّي آذيت رجلا منكم ، ردّوا هداياهما فلا حاجة لي فيها ، فو اللَّه ما أخذ اللَّه منّي الرّشوة حين ردّ عليّ ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع النّاس فيّ فأطيعهم فيه ، قالت : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به [ ( 3 ) ] . قالت : فإنّا على ذلك ، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه ، فو اللَّه ما علمنا حزنا قد كان أشدّ علينا من حزن حزنّاه عند ذلك ، تخوّفا أن يظهر ذلك الرجل على النّجاشيّ ، فيأتي رجل لا يعرف من حقّنا ما كان النّجاشيّ يعرف منه . فسار إليه النّجاشيّ ، وكان بينهما عرض النّيل ، فقال أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : من رجل يخرج حتى يحضر الوقعة ، ثم يأتينا بالخبر ؟ فقال الزّبير : أنا ، فنفخوا له قرية ، فجعلها في صدره ، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النّيل التي بها يلتقي القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم ، ودعونا اللَّه تعالى للنّجاشيّ ، فإنّا لعلى ذلك ، إذ طلع الزّبير يسعى فلمع بثوبه ، وهو يقول : ألا أبشروا ، فقد ظهر النّجاشيّ ، وقد أهلك اللَّه عدوّه ومكّن له في بلاده [ ( 4 ) ] . قال الزّهريّ : فحدّثت عروة بن الزّبير هذا الحديث فقال : هل تدري ما قوله : ما أخذ اللَّه منّي الرّشوة إلى آخره ؟ قلت : لا ، قال : فإنّ عائشة أمّ
--> [ ( 1 ) ] وفي رواية ( شيوم ) . انظر السيرة 2 / 88 ، وفي المغازي لعروة 113 كما هنا ، وكذلك في دلائل النبوّة للبيهقي 2 / 74 ، ودلائل النبوّة لأبي نعيم 1 / 83 . [ ( 2 ) ] الدبر : الجبل . [ ( 3 ) ] انظر تاريخ الطبري 2 / 335 . [ ( 4 ) ] سيرة ابن هشام 2 / 87 - 89 ، السير والمغازي 213 - 216 ، نهاية الأرب 16 / 247 - 250 ، دلائل النبوة للبيهقي 2 / 72 - 74 دلائل النبوّة لأبي نعيم 1 / 81 - 83 .